Skip to content

الغسيل

October 25, 2005

قصة قصيرة
بائع الدوم العجوز كان أول من لاحظ.. تعالت الضحكات في المقهى الكبير إذ ظنه الجميع مجنوناً، بينما تأكدت أنا من وقاحته وهو يصف ملابسي وملابس زوجتي بدقة مدهشة، قميصي التي تآكلت أطرافه فأخفيها في البنطلون، ورجل البنطلون الأخضر التي رفتها زوجتي بخيط بني، وقميص نوم زوجتي الأحمر الذي بهت لونه.. غلى دمى، وقمت أسب الرجل ومن يستمعون إلى وقاحته، لم يحاول أحد تهدئتي، في ظروف أخرى كان يمكن أن يتحول وصفه لملابس زوجتي الداخلية إلى حكاية كبيرة تتفرع عنها حكايات، أما الآن فالبطل ليس هو الملابس، ولكن نظريته العجيبة التي يحاول إقناعهم بها.. خرجت من المقهى غاضباً مقسماً أن ألقى البائع العجوز وعربة الدوم في ترعة المحمودية إذا رأيته يبيع أمام بيتي، ولم ينتبه أحد إلى صراخي، إذ تعالى صوت العجوز يعيد شرح نظريته حول العلاقة بين غسيل زوجتي والمطر.فوجئت، في اليوم التالي، بعدد كبير من الرجال والشباب والنساء والأطفال يقفون أمام بيتي، وعيونهم معلقة على بلكونة شقتي.. كانت زوجتي تنوى غسل ملابسنا، لكنني طلبت منها ألا تفعل، بعد أن شرحت لها ما حدث بالمقهى..مر أسبوعان وزوجتي لا تغسل، ولا تجرؤ على الوقوف في البلكونة.. كان الناس يتناوبون الوقوف وعيونهم المحدقة في حبال غسيل بلكونتى تنتظر رؤية معجزة..لم أعد أطيق رائحة الملابس التي زكمت الشقة الضيقة فحولتها إلى جحيم.. طلبت من زوجتي أن تغسل كل الملابس المتسخة، لأنه لا معنى لأن نظل هكذا إلى الأبد بسبب خرافة أطلقها عجوز وقح.. ساعدت زوجتي لتنتهي من الغسيل بسرعة.. وخرجت لتنشره متجاهلة الجموع التي شهقت ولمعت عيونها عندما رأتها..انتهت زوجتي من نشر الغسيل، ودخلت الشقة، وألقت بنفسها فوق السرير منهكة من ثقل الضغط العصبي الذي تعرضت له.. لم تمر إلا دقائق، وسمعنا صوت المطر يهدر، نظرت من فرجة في شباك حجرة النوم، هالتني غزارة المطر، وأفزعني منظر الناس الذين تحولوا جميعاً إلى أطفال مجانين يرقصون تحت المطر، وينظرون إلى غسيل زوجتي بتقديس، أغلقت الشباك، تمددت فوق السرير، حاولت أن أنام بلا جدوى..مرت عدة أيام والمطر لا يتوقف، بدأت أفكر بجدية في نظرية العجوز المخرف، خرجت مع زوجتي إلى البلكونة، وجمعنا الغسيل كله، وألقينا به في طشت كبير في الحمام.. بعد دقائق توقف المطر.. لم أرد أن أصدق، وتحاشيت النظر في عيون زوجتي المذهولة.. أحضرت شاكوشاً وبضعة مسامير وحبال غسيل، وصعدت إلى سطح المنزل، دققت المسامير في الحوائط، وشددت بينها حبال الغسيل، وطلبت من زوجتي أن تنشر غسيلها على السطح بعيداً عن العيون..فوجئت بزوجتي تنزل من فوق السطح باكية منهارة بعد أن أكملت نشر الغسيل بصعوبة والعيون المكدسة فوق أسطح المنازل المطلة علينا تلتهمها بنظرات إجلال وخوف واتهام..لم يتوقف المطر حتى صعدت إلى السطح، وقطعت حبال الغسيل، وألقيت بالملابس في جوال قديم، ضربته بقدمي بغيظ ليتدحرج على السلالم ويستقر أمام باب شقتي، فحملته زوجتي، وفرغته في الطشت..وبعد دقائق من توقف المطر، دق باب شقتي، فتحته لأجد حشداً من الفلاحين وأصحاب الأراضي الزراعية، دخلوا قبل أن أطلب منهم الدخول، طلبوا من زوجتي نشر الغسيل فوراً، قالوا إن زرعهم قد يموت إذا لم تنشر زوجتي غسيلها ويسقط المطر، وافقت زوجتي تحت الضغط الشديد، وساعدتها في نشر الغسيل على حبال البلكونة..وفى صباح اليوم التالي، تدفقت الهدايا علينا، مع تأكيدات ألا نلم الغسيل حتى يطلبوا منا ذلك.. ورغم الضيق الشديد الذي شعرنا به، إلا أننا لم نستطع أن نفعل شيئاً.. حتى وجدنا عدداً كبيراً من التجار وأصحاب المقاهي والورش والسيارات والملاهي والباعة في السوق الكبير ومنظمي المسابقات الرياضية، يطرقون بابنا بعنف، ويدخلون دون استئذان، ويجبروننا على لم الغسيل فوراً، لأن المطر الشديد الذي استمر لعدة أيام تسبب في خسائر جسيمة لهم جميعاً، وانصرفوا وهم يؤكدون أن أي خسائر ستحدث لهم بعد ذلك بسبب المطر ستكون مسئوليتي شخصياً، وسأضطر لدفع ثمنها..جلست وزوجتي وحدنا ننظر في أكوام الغسيل المكدسة، ولا نعرف ماذا نفعل بها، ولم يستطع أحدنا أن يفتح فمه بكلمة يعبر بها عن أفكاره، أو ينفض هواجسه، أو يحاول الفهم، حتى هدنا التعب فنمنا جالسين..في الصباح اكتشفنا اختفاء حبال الغسيل من البلكونة، وأرسل الذين يكرهون المطر من أخذ غسيل زوجتي عنوة، وألقى لنا مبلغاً كبيراً، ثم جاء الراغبون في المطر وفوجئوا بعدم وجود الغسيل، فاشتروا لنا ملابس جديدة، وطلبوا من زوجتي غسلها ونشرها فوراً..دخلت زوجتي الحمام لتغسل الملابس الجديدة، ودخلت خلفها لأساعدها.. اتفقنا بالنظرات على الهرب من خلال شباك الحمام..ونحن في وسط البلدة، قابلنا جموعاً من كارهي المطر يحملون العصي والسكاكين والمسدسات، ويرددون جملة واحدة، “لا غسيل بعد اليوم”، حاولنا التراجع بعيداً عنهم، فوجدنا خلفنا عدداً كبيراً من راغبى المطر يرددون “اغسلي وانشري فوراً”.. نظرت أنا وزوجتي للجموع المحتشدة حولنا بقلق.. والتقت عيوننا في حيرة.
12/12/2002منير عتيبة

Advertisements
No comments yet

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

%d bloggers like this: